ليس من الانصاف القول ان الهجمة الاعلامية الشرسة التي تتعرض لها الجمهورية الاسلامية في ايران ، والتي تأتي في أطار الحرب الاقتصادية والسياسية والعلمية والنفسية والاستخباراتية الشاملة التي يشنها الغرب وامريكا والصهيونية العالمية واذنابهم من الرجعية العربية ، هي بسبب نفوذ هنا ومصالح هناك. فالجميع يعرف أن ايران الشاه ، قلعة الغرب الحصينة في الشرق الاوسط والحليفة الاستراتيجية للكيان الصهيوني واليد الضاربة لامريكا ، كانت من اقرب المقربين من الرباعي غير المقدس السالف الذكر. ترى من الذي تغير؟
المتغير الوحيد هو الاسلام الاصيل الذي رفعته ايران بعد الثورة الاسلامية ، والذي اخرج ايران من المعادلة الظالمة لحق الشعوب الاسلامية والعربية وفي مقدمتها الشعب الايراني ، والتي فرضها الغرب وامريكا على المنطقة لعقود. والا فالغرب لا عداء له مع ايران كجغرافيا او مع الاسلام الامريكي بنسختيه المتخلفة والمتطرفة.
الاسلام الاصيل الذي ترفعه ايران اليوم ، وفي مقدمة مبادئه نصرة المظلوم على الظالم ، والذي جسدته الثورة الاسلامية في ايران عمليا عندما وقفت بكل ما تملك من قوة الى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم ، في وجه اكبر تحالف غربي امريكي صهيوني رجعي ، وهي تعرف منذ البداية ان ثمن هذه الوقفة الاسلامية الاصيلة سيكون باهظا. هذا الاسلام الاصيل هو اس واساس كل هذا العداء لايران ولكل الحرب النفسية والاعلامية التي تشن عليها من كل حدب وصوب , وما فيلم "برسبوليس" المعادي للاسلام قبل ايران لمرجان ساترابي ، لن يكون الهجمة الاخيرة في معارك هذه الحرب الظالمة.
** فيلم برسبوليس
بداية نود ان نؤكد ان كاتب المقال سيتجنب فرض رأيه الشخصي على القارئ وهو يتناول الفيلم والقصة والمؤلفة وسيكتفي بنقل معلومات عن رؤوس مثلث برسبوليس ، عبر الاستشهاد بأحاديث المؤلفة نفسها واصدقائها دون زيادة أو نقصان ، ليكون الحكم بالتالي بيد القارئ اللبيب.
قصة فيلم "برسبوليس" وهو فيلم كارتون ، مأخوذة من كتاب يحمل نفس العنوان للكاتبة الايرانية مرجان ساترابي المقيمة في فرنسا. والكتاب الذي نشر عام 2000 عبارة عن قصة مصورة (كوميكس) بالاسود والابيض تحكي حياة صبية صغيرة تنتمي الى اسرة ، تصفها القصة بالمتحررة ، حيث تعيش اجواء الثورة الاسلامية وتداعيات الحرب التي فرضها النظام الصدامي البائد على ايران وهي في العاشرة من عمرها ، وتجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع الوضع الجديد بعد بلوغها سن المراهقة.
القصة والفيلم يرسمان صورة سوداوية وكئيبة ومحبطة للشعب الايراني في ظل الثورة الاسلامية ، حيث يظهر هذا الشعب بمظهر العاجز والمغلوب على أمره في ظل حكم استبدادي.
**من هي مرجان ساترابي
ولدت مرجان ساترابي في مدينة رشت عام 1969 ، والدتها الحفيدة الكبرى للملك ناصر الدين شاه ، وتنتمي الى اسرة يسارية تحمل افكارا ماركسية ، قضت طفولتها في طهران ، واختارت لها اسرتها ان تدرس في المدرسة الفرنسية جان دارك ومدارس مختلطة مثل مدرسة رازي ، وبسبب طبيعتها المتمردة (وصفا تصف هي نفسها به في برسبوليس) ورفضها الواقع الموجود وبسبب المشاكل التي اثارتها في المدرسة ، فضل والداها ارسالها الى فيينا بمفردها وهي في الرابعة عشرة من العمر ، وهناك واجهت العديد من المشاكل ، كما تقول هي بسبب صغر سنها ولتركها وحيدة هناك. عادت الى ايران لدى بلوغها الثامنة عشرة من العمر وعملت مدرسة للغة الفرنسية والانجليزية وللرسم والغرافيك كما انها تزوجت الا انها فشلت في حياتها الزوجية وتطلقت من زوجها وغادرت ايران مرة اخرى عام 1995 الى فرنسا وبقيت هناك حتى اليوم.
** كيف تصف مرجان ساترابي نفسها
وعن طبيعتها المتمردة ورفضها الواقع الموجود تقول ساترابي في حديث مع موقع صحيفة فولت اونلاين الالمانية بمناسبة عرض فيلمها "برسبوليس" في المانيا "احسست بانني بائسة عندما اجبروني ان اضع وشاحا على رأسي".
وتأكيدا منها على رفضها القوانين التي كانت تسنها الجمهورية الاسلامية بوحي من تعاليم الاسلام قالت ساترابي في نفس اللقاء السابق مع فولت اونلاين ، " على سبيل المثال انا وصديقاتي لم نكن نحتسي الخمر يومها ولكن عندما تم حظر الخمر في طهران ، ولهذا السبب بالذات ، اقمنا حفلات لاحتساء الخمر".
والمعروف ان ساترابي شرهة في التدخين فقلما تشاهد دون ان تكون السيجارة في فمها او بين اصابعها ، وفي لقاء اخر معها تؤكد ساترابي على ضرورة استحصال اللذة من الحياة مهما كان الثمن فتقول في حديث مع وسيلة اعلامية غربية " انه يتم ادارة الكنيسة والمسجد من قبل اناس متعصبين وفاشلين ومقموعين يريدون ان يسلبوكم لذات الحياة . حتى ان ثقافتكم هنا (الغرب) تروج لهذا الامر ايضا، فمثلا عندما يقال ان هذا الطعام جيد يقال في المقابل حذار من الدهون ، وعندما يقال السجائر يقال في المقابل السرطان ، وعندما يقال .. يحذروك من الايدز".
كما اعترفت ساترابي في حديثها مع موقع صحيفة فوالت اونلاين الالمانية انها كتبت قصة برسبوليس متأثرة بمجموعة قصص الهولوكوست المصورة "فأر" لـ "ارات سبيغلمان" التي رسمت بالاسود والابيض.
** كتاب برسبوليس
قبل كتاب برسبوليس ، الفت ساترابي كتابين في فرنسا دون ان يثيرا اي اهتمام يذكر ، الا أن كتاب برسبوليس يعتبر طائر السعد الذي حط على كتف ساترابي فقد تلقف الغرب الكتاب معتبرا اياه فرصة لا تعوض في اطار الحرب التي يشنها على ايران ، بعد او وجد ضالته في مواقف ساترابي من الحجاب والمرأة والتعاليم والقيم الاسلامية ، ليضخمها وينفخ فيه.
الاهتمام غير المسبوق وغير المألوف الذي لقيه الكتاب اثار شكوك حتى المقربين من ساترابي وما يسمى بالمعارضة الايرانية في الخارج.
صحيفة نيويورك تايمز تنقل عن مسؤولين في مؤسسة بانتون التي اشرفت على طباعة ونشر كتاب برسبوليس ، ان كتاب برسبوليس يدرس في اكثر من مئة جامعة امريكية!!.
كما حصل الفيلم على الجائزة الخاصة للجنة الحكام في مهرجان "كان" في قسم الافلام غير الانجليزية بالاضافة الى حصوله على عدد من الجوائز الاخرى في المهرجانات الاوروبية.
** وشهد شاهد من أهلها
الاهتمام الملفت وغير المتعارف بالفيلم والكتاب في الغرب اثار حفيظة حتى ما يوصفون بالمعارضة الايرانية التي رأت ان هذا الاهتمام الساذج قد يلحق الضرر بهم ويظهرهم على انهم دمى يحركها الاخرون متى شاؤوا.
ففي أحد المواقع التي تناصب الثورة الاسلامية العداء يكتب شخص يدعى حسين درخشان مقالا يشيد في مقدمته بجرأة ساترابي وبكتابها برسبوليس ، الا انه يفرق بين الكتاب حين صدوره بجزأين عبر دار نشر فرنسية مستقلة ، حسب ادعاء الكاتب، وبين الكتاب عندما ينشر بهذا العدد الهائل عبر جهات وعناوين ضخمة.
كاتب المقال يستغرب كيف يمكن ان تجمع ساترابي بين تاريخها اليساري والمناهض للامبريالية !!, وبين مجموعة بانتون التابعة لدار نشرعملاقة مثل روندوم هاوس والتي تولت طبع ونشر الكتاب.
كما تساءل المقال عن الاسباب التي تدفع شركة مثل شركة مارشال - كندي ( الجهة المسؤولة عن انتاج اغلب افلام اسبيلبرغ ومن بينها فيلم ميونيخ) الى انتاج فيلم برسبوليس ، الذي تولت شركة سوني تسويقه في جميع انجاء العالم. رافضا ان تكون ساترابي تمتلك بعد اليوم زمام امر كتابها ، فالكتاب والفيلم لم يعودا لها ، كما يقول درخشان، وان راندوم هاوس وسوني هما اللذان يحددان ما الذي يجب ان تحمل قصة برسبوليس من معنى.
ويعترف درخشان ان كتاب برسبوليس ينظر الى الثورة الاسلامية من منظار فتاة تنتمي الى اسرة مرفهة يسارية غير متدينة ، وهي نظرة ستؤطر بالضرورة طبيعة الاحكام التي ستصدرها ساترابي على القيم الاسلامية.
وفي كلام اشبه بتحذير لساترابي من الوقوع في فخ نصب لها ، يقول المقال ، ان رفوف المكتبات التي احتوت كتاب برسبوليس كانت تحتوي ايضا كتبا تتضمن قصصا مصورة عن الحرب في افغانستان والعراق وتنتقد السياسة الامريكية ، ترى ، هكذا يتساءل المقال ، هل سيقوم منتجو افلام اسبيلبرغ بتحويلها الى افلام معادية لامريكا ؟ وهل ستتولى دار نشر مثل روندوم هاوس العملاقة طباعتها ونشرها باعداد هائلة؟!!.
ودعا درخشان ساترابي الى عدم المساهمة من حيث لا تدري !! في تحقيق اهداف الاخرين ، كما حصل لكتاب لوليتا في طهران لـ "اذر نفيسي" ذلك الكتاب الصغير والمتواضع الذي جعلت منه روندوم هاوس من اكثر الكتب مبيعا في العالم لانه وببساطة ينتقد ايران.
**ونحن نتساءل ايضا
ترى هل يمكننا ان نتساءل كما تساءل حسين درخشان عن نوايا الجهات التي روجت لساترابي وكتابها وفيلمها ومنحوها كل هذه الجوائز واعطوها كل هذه المساحات الكبرى من الاهتمام ؟ اذا كان من حقنا ان نتساءل مجرد تساؤل بعيدا عن اي اتهام ، ترى اين هذه الجهات التي وقفت خلف وامام ساترابي وهي تدافع عن حقوق الانسان في ايران من هذه الحقوق ، وهي كما نعلم قاسم مشترك بين بني البشر، وهي تذبح في وضح النار في بعض الدول التي شاء حظ شعوبها العاثر ان تكون حكوماتها المستبدة والمتخلفة من اقرب حلفاء "الديمقراطية الامريكية" , كما في البحرين، التي تشهد وضعا شاذا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى؟ ، فالنظام السياسي في هذا البلد الصغير الذي يحتضن مقر قاعدة الاسطول الامريكي الخامس، يفصله عن الديمقراطية الاف السنين الضوئية ، ورأى العالم اجمع كيف تعاملت السلطات في هذا البلد مع مواطنيها العزل ، حيث مزق الرصاص اجساد الاطفال والنساء والشيوخ ، وحورب كل من تظاهر في رزقه فقد تم فصل المئات من وظائفهم وفصل الطلاب من جامعاتهم ومدارسهم واعتقل الاطباء وحكم على العديد منهم بالسجن مدى الحياة ، لانهم تجرأوا واسعفوا اناسا كانوا ينزفون دما ، وهدموا دور العبادة واهانوا المقدسات وانتهكوا حرمة البيوت ووو..
كل ذلك والفاعل لا يمثل نسبة 5 بالمائة من الاقلية التي يدعي تمثيلها والتي لا تتجاوز بدورها نسبة 20 بالمائة من الشعب , اما الضحية فيمثل 80 بالمائة من الشعب البحريني.
ترى اين الجهات التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان والتي رفعت ساترابي وفيلمها على الاكف من هذا النظام الشاذ ؟ الا يحق لنا ان نشكك اذا في نوايا هذه الجهات ونقول انها تسعى لتحقيق هدف بعيد جدا عن قضايا حقوق الانسان وحرية التعبير؟.
الملفت ان الجهات التي تحالفت على ثورة البحرين هي ذاتها التي دافعت وروجت ومازالت لبرسبوليس وساترابي .. "الديمقراطية الامريكية" و "الرجعية العربية بشقيها المتخلف والمتطرف" ، الاولى من خلال تجاهل مجازر البحرين لاهداف يعرفها القاصي والداني والثانية من خلال الصاق تهم الطائفية بالثورة البحرينية الشعبية والسياسية بامتياز.
** ما جرى في تونس وانقلاب السحر على الساحر
الاحتجاجات التي اثارها عرض فيلم "برسبوليس" في تونس بعد ترجمته الى العامية التونسية بسبب ما تضمنه الفيلم من اساءات للمقدسات الاسلامية والاستهزاء بها ، استغلها الرأس الرابع والاخير من التحالف غير المقدس "الغرب وامريكا والصهيونية والرجعية العربية" ، للاساءة الى ايران ، حيث حاولت وسائل الاعلام والفضائيات التابعة للرجعية العربية ، المعروفة بتوجهاتها الرامية لترويج ثقافة الانبطاح امام الغرب واثارة الفتن بين المسلمين، حاولت تسويق برسبوليس بشكل خبيث عبر ايهام القارئ ان الجهة التي تقف وراء هذا الفيلم هي ايران الدولة , من خلال وضع عناوين كبيرة تلمح الى كونه (فيلم كارتون ايراني يتعرض للمقدسات الاسلامية)!.
ولكن يمكرون ويمكر الله ، واذا بالسحر ينقلب على الساحر ، وتسقط ورقة التوت فينكشف أمر المناوئين للثورة الاسلامية ، وأمر وسائل الاعلام والفضائيات العربية التي ظهرت على حقيقتها ، فما هي الا ابواق للكذب والدجل واثارة الفتن لتمزيق الجسد الاسلامي خدمة للمشروع الصهيوامريكي الرامي لتصدير الفوضى الطائفية وتحريض المسلمين على المسلمين.
ولكن مهما فعلوا فلن يتمكنوا من حجب شمس ايران او اعادة عقارب الساعة الى الوراء فالثورات العربية ستعم لا محالة كل ارض العرب ، وكل سحرهم ودجلهم لا يعدو نفخا في بالون مثقوب ، ( إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى )
بقلم/ مصطفى منيب
المتغير الوحيد هو الاسلام الاصيل الذي رفعته ايران بعد الثورة الاسلامية ، والذي اخرج ايران من المعادلة الظالمة لحق الشعوب الاسلامية والعربية وفي مقدمتها الشعب الايراني ، والتي فرضها الغرب وامريكا على المنطقة لعقود. والا فالغرب لا عداء له مع ايران كجغرافيا او مع الاسلام الامريكي بنسختيه المتخلفة والمتطرفة.
الاسلام الاصيل الذي ترفعه ايران اليوم ، وفي مقدمة مبادئه نصرة المظلوم على الظالم ، والذي جسدته الثورة الاسلامية في ايران عمليا عندما وقفت بكل ما تملك من قوة الى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم ، في وجه اكبر تحالف غربي امريكي صهيوني رجعي ، وهي تعرف منذ البداية ان ثمن هذه الوقفة الاسلامية الاصيلة سيكون باهظا. هذا الاسلام الاصيل هو اس واساس كل هذا العداء لايران ولكل الحرب النفسية والاعلامية التي تشن عليها من كل حدب وصوب , وما فيلم "برسبوليس" المعادي للاسلام قبل ايران لمرجان ساترابي ، لن يكون الهجمة الاخيرة في معارك هذه الحرب الظالمة.
** فيلم برسبوليس
بداية نود ان نؤكد ان كاتب المقال سيتجنب فرض رأيه الشخصي على القارئ وهو يتناول الفيلم والقصة والمؤلفة وسيكتفي بنقل معلومات عن رؤوس مثلث برسبوليس ، عبر الاستشهاد بأحاديث المؤلفة نفسها واصدقائها دون زيادة أو نقصان ، ليكون الحكم بالتالي بيد القارئ اللبيب.
قصة فيلم "برسبوليس" وهو فيلم كارتون ، مأخوذة من كتاب يحمل نفس العنوان للكاتبة الايرانية مرجان ساترابي المقيمة في فرنسا. والكتاب الذي نشر عام 2000 عبارة عن قصة مصورة (كوميكس) بالاسود والابيض تحكي حياة صبية صغيرة تنتمي الى اسرة ، تصفها القصة بالمتحررة ، حيث تعيش اجواء الثورة الاسلامية وتداعيات الحرب التي فرضها النظام الصدامي البائد على ايران وهي في العاشرة من عمرها ، وتجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع الوضع الجديد بعد بلوغها سن المراهقة.
القصة والفيلم يرسمان صورة سوداوية وكئيبة ومحبطة للشعب الايراني في ظل الثورة الاسلامية ، حيث يظهر هذا الشعب بمظهر العاجز والمغلوب على أمره في ظل حكم استبدادي.
**من هي مرجان ساترابي
ولدت مرجان ساترابي في مدينة رشت عام 1969 ، والدتها الحفيدة الكبرى للملك ناصر الدين شاه ، وتنتمي الى اسرة يسارية تحمل افكارا ماركسية ، قضت طفولتها في طهران ، واختارت لها اسرتها ان تدرس في المدرسة الفرنسية جان دارك ومدارس مختلطة مثل مدرسة رازي ، وبسبب طبيعتها المتمردة (وصفا تصف هي نفسها به في برسبوليس) ورفضها الواقع الموجود وبسبب المشاكل التي اثارتها في المدرسة ، فضل والداها ارسالها الى فيينا بمفردها وهي في الرابعة عشرة من العمر ، وهناك واجهت العديد من المشاكل ، كما تقول هي بسبب صغر سنها ولتركها وحيدة هناك. عادت الى ايران لدى بلوغها الثامنة عشرة من العمر وعملت مدرسة للغة الفرنسية والانجليزية وللرسم والغرافيك كما انها تزوجت الا انها فشلت في حياتها الزوجية وتطلقت من زوجها وغادرت ايران مرة اخرى عام 1995 الى فرنسا وبقيت هناك حتى اليوم.
** كيف تصف مرجان ساترابي نفسها
وعن طبيعتها المتمردة ورفضها الواقع الموجود تقول ساترابي في حديث مع موقع صحيفة فولت اونلاين الالمانية بمناسبة عرض فيلمها "برسبوليس" في المانيا "احسست بانني بائسة عندما اجبروني ان اضع وشاحا على رأسي".
وتأكيدا منها على رفضها القوانين التي كانت تسنها الجمهورية الاسلامية بوحي من تعاليم الاسلام قالت ساترابي في نفس اللقاء السابق مع فولت اونلاين ، " على سبيل المثال انا وصديقاتي لم نكن نحتسي الخمر يومها ولكن عندما تم حظر الخمر في طهران ، ولهذا السبب بالذات ، اقمنا حفلات لاحتساء الخمر".
والمعروف ان ساترابي شرهة في التدخين فقلما تشاهد دون ان تكون السيجارة في فمها او بين اصابعها ، وفي لقاء اخر معها تؤكد ساترابي على ضرورة استحصال اللذة من الحياة مهما كان الثمن فتقول في حديث مع وسيلة اعلامية غربية " انه يتم ادارة الكنيسة والمسجد من قبل اناس متعصبين وفاشلين ومقموعين يريدون ان يسلبوكم لذات الحياة . حتى ان ثقافتكم هنا (الغرب) تروج لهذا الامر ايضا، فمثلا عندما يقال ان هذا الطعام جيد يقال في المقابل حذار من الدهون ، وعندما يقال السجائر يقال في المقابل السرطان ، وعندما يقال .. يحذروك من الايدز".
كما اعترفت ساترابي في حديثها مع موقع صحيفة فوالت اونلاين الالمانية انها كتبت قصة برسبوليس متأثرة بمجموعة قصص الهولوكوست المصورة "فأر" لـ "ارات سبيغلمان" التي رسمت بالاسود والابيض.
** كتاب برسبوليس
قبل كتاب برسبوليس ، الفت ساترابي كتابين في فرنسا دون ان يثيرا اي اهتمام يذكر ، الا أن كتاب برسبوليس يعتبر طائر السعد الذي حط على كتف ساترابي فقد تلقف الغرب الكتاب معتبرا اياه فرصة لا تعوض في اطار الحرب التي يشنها على ايران ، بعد او وجد ضالته في مواقف ساترابي من الحجاب والمرأة والتعاليم والقيم الاسلامية ، ليضخمها وينفخ فيه.
الاهتمام غير المسبوق وغير المألوف الذي لقيه الكتاب اثار شكوك حتى المقربين من ساترابي وما يسمى بالمعارضة الايرانية في الخارج.
صحيفة نيويورك تايمز تنقل عن مسؤولين في مؤسسة بانتون التي اشرفت على طباعة ونشر كتاب برسبوليس ، ان كتاب برسبوليس يدرس في اكثر من مئة جامعة امريكية!!.
كما حصل الفيلم على الجائزة الخاصة للجنة الحكام في مهرجان "كان" في قسم الافلام غير الانجليزية بالاضافة الى حصوله على عدد من الجوائز الاخرى في المهرجانات الاوروبية.
** وشهد شاهد من أهلها
الاهتمام الملفت وغير المتعارف بالفيلم والكتاب في الغرب اثار حفيظة حتى ما يوصفون بالمعارضة الايرانية التي رأت ان هذا الاهتمام الساذج قد يلحق الضرر بهم ويظهرهم على انهم دمى يحركها الاخرون متى شاؤوا.
ففي أحد المواقع التي تناصب الثورة الاسلامية العداء يكتب شخص يدعى حسين درخشان مقالا يشيد في مقدمته بجرأة ساترابي وبكتابها برسبوليس ، الا انه يفرق بين الكتاب حين صدوره بجزأين عبر دار نشر فرنسية مستقلة ، حسب ادعاء الكاتب، وبين الكتاب عندما ينشر بهذا العدد الهائل عبر جهات وعناوين ضخمة.
كاتب المقال يستغرب كيف يمكن ان تجمع ساترابي بين تاريخها اليساري والمناهض للامبريالية !!, وبين مجموعة بانتون التابعة لدار نشرعملاقة مثل روندوم هاوس والتي تولت طبع ونشر الكتاب.
كما تساءل المقال عن الاسباب التي تدفع شركة مثل شركة مارشال - كندي ( الجهة المسؤولة عن انتاج اغلب افلام اسبيلبرغ ومن بينها فيلم ميونيخ) الى انتاج فيلم برسبوليس ، الذي تولت شركة سوني تسويقه في جميع انجاء العالم. رافضا ان تكون ساترابي تمتلك بعد اليوم زمام امر كتابها ، فالكتاب والفيلم لم يعودا لها ، كما يقول درخشان، وان راندوم هاوس وسوني هما اللذان يحددان ما الذي يجب ان تحمل قصة برسبوليس من معنى.
ويعترف درخشان ان كتاب برسبوليس ينظر الى الثورة الاسلامية من منظار فتاة تنتمي الى اسرة مرفهة يسارية غير متدينة ، وهي نظرة ستؤطر بالضرورة طبيعة الاحكام التي ستصدرها ساترابي على القيم الاسلامية.
وفي كلام اشبه بتحذير لساترابي من الوقوع في فخ نصب لها ، يقول المقال ، ان رفوف المكتبات التي احتوت كتاب برسبوليس كانت تحتوي ايضا كتبا تتضمن قصصا مصورة عن الحرب في افغانستان والعراق وتنتقد السياسة الامريكية ، ترى ، هكذا يتساءل المقال ، هل سيقوم منتجو افلام اسبيلبرغ بتحويلها الى افلام معادية لامريكا ؟ وهل ستتولى دار نشر مثل روندوم هاوس العملاقة طباعتها ونشرها باعداد هائلة؟!!.
ودعا درخشان ساترابي الى عدم المساهمة من حيث لا تدري !! في تحقيق اهداف الاخرين ، كما حصل لكتاب لوليتا في طهران لـ "اذر نفيسي" ذلك الكتاب الصغير والمتواضع الذي جعلت منه روندوم هاوس من اكثر الكتب مبيعا في العالم لانه وببساطة ينتقد ايران.
**ونحن نتساءل ايضا
ترى هل يمكننا ان نتساءل كما تساءل حسين درخشان عن نوايا الجهات التي روجت لساترابي وكتابها وفيلمها ومنحوها كل هذه الجوائز واعطوها كل هذه المساحات الكبرى من الاهتمام ؟ اذا كان من حقنا ان نتساءل مجرد تساؤل بعيدا عن اي اتهام ، ترى اين هذه الجهات التي وقفت خلف وامام ساترابي وهي تدافع عن حقوق الانسان في ايران من هذه الحقوق ، وهي كما نعلم قاسم مشترك بين بني البشر، وهي تذبح في وضح النار في بعض الدول التي شاء حظ شعوبها العاثر ان تكون حكوماتها المستبدة والمتخلفة من اقرب حلفاء "الديمقراطية الامريكية" , كما في البحرين، التي تشهد وضعا شاذا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى؟ ، فالنظام السياسي في هذا البلد الصغير الذي يحتضن مقر قاعدة الاسطول الامريكي الخامس، يفصله عن الديمقراطية الاف السنين الضوئية ، ورأى العالم اجمع كيف تعاملت السلطات في هذا البلد مع مواطنيها العزل ، حيث مزق الرصاص اجساد الاطفال والنساء والشيوخ ، وحورب كل من تظاهر في رزقه فقد تم فصل المئات من وظائفهم وفصل الطلاب من جامعاتهم ومدارسهم واعتقل الاطباء وحكم على العديد منهم بالسجن مدى الحياة ، لانهم تجرأوا واسعفوا اناسا كانوا ينزفون دما ، وهدموا دور العبادة واهانوا المقدسات وانتهكوا حرمة البيوت ووو..
كل ذلك والفاعل لا يمثل نسبة 5 بالمائة من الاقلية التي يدعي تمثيلها والتي لا تتجاوز بدورها نسبة 20 بالمائة من الشعب , اما الضحية فيمثل 80 بالمائة من الشعب البحريني.
ترى اين الجهات التي تدعي الدفاع عن حقوق الانسان والتي رفعت ساترابي وفيلمها على الاكف من هذا النظام الشاذ ؟ الا يحق لنا ان نشكك اذا في نوايا هذه الجهات ونقول انها تسعى لتحقيق هدف بعيد جدا عن قضايا حقوق الانسان وحرية التعبير؟.
الملفت ان الجهات التي تحالفت على ثورة البحرين هي ذاتها التي دافعت وروجت ومازالت لبرسبوليس وساترابي .. "الديمقراطية الامريكية" و "الرجعية العربية بشقيها المتخلف والمتطرف" ، الاولى من خلال تجاهل مجازر البحرين لاهداف يعرفها القاصي والداني والثانية من خلال الصاق تهم الطائفية بالثورة البحرينية الشعبية والسياسية بامتياز.
** ما جرى في تونس وانقلاب السحر على الساحر
الاحتجاجات التي اثارها عرض فيلم "برسبوليس" في تونس بعد ترجمته الى العامية التونسية بسبب ما تضمنه الفيلم من اساءات للمقدسات الاسلامية والاستهزاء بها ، استغلها الرأس الرابع والاخير من التحالف غير المقدس "الغرب وامريكا والصهيونية والرجعية العربية" ، للاساءة الى ايران ، حيث حاولت وسائل الاعلام والفضائيات التابعة للرجعية العربية ، المعروفة بتوجهاتها الرامية لترويج ثقافة الانبطاح امام الغرب واثارة الفتن بين المسلمين، حاولت تسويق برسبوليس بشكل خبيث عبر ايهام القارئ ان الجهة التي تقف وراء هذا الفيلم هي ايران الدولة , من خلال وضع عناوين كبيرة تلمح الى كونه (فيلم كارتون ايراني يتعرض للمقدسات الاسلامية)!.
ولكن يمكرون ويمكر الله ، واذا بالسحر ينقلب على الساحر ، وتسقط ورقة التوت فينكشف أمر المناوئين للثورة الاسلامية ، وأمر وسائل الاعلام والفضائيات العربية التي ظهرت على حقيقتها ، فما هي الا ابواق للكذب والدجل واثارة الفتن لتمزيق الجسد الاسلامي خدمة للمشروع الصهيوامريكي الرامي لتصدير الفوضى الطائفية وتحريض المسلمين على المسلمين.
ولكن مهما فعلوا فلن يتمكنوا من حجب شمس ايران او اعادة عقارب الساعة الى الوراء فالثورات العربية ستعم لا محالة كل ارض العرب ، وكل سحرهم ودجلهم لا يعدو نفخا في بالون مثقوب ، ( إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى )
بقلم/ مصطفى منيب

التعليقات
من أجل تعليقات هذه المشاركة الإخبارية التغذية RSS.