فيلم "حبة سكر" ورغم انه لم يلق ذلك الاهتمام الذي يستحقه في البداية ، سيما بعد ان مر مهرجان فجر السينمائي الدولي في دورته التاسعة والعشرين من امامه مرور الكرام ، الا انه اثار فيما بعد اهتمام المشاهدين والنقاد اثر عرضه في دور السينما.
يحتفظ المخرج رضا مير كريمي في سجله الفني بمجموعة من الافلام الجيدة التي استقطبت اهتمام النقاد ومن هذه الافلام ، "تحت ضوء القمر" و "هنا مصباح مضيء" و " بعيد جدا ، قريب جدا" و " بهذه البساطة" .
قصة فيلم حبة سكر
من المقرر ان تتزوج فتاة اسمها بسند او بسنديده ( الفنانه نغار جواهريان) تعيش في مدينة يزد وسط ايران ، غيابيا بشاب يدعى كيوان و يعيش في امريكا . وبهذه المناسبة يجتمع اعضاء الاسرة وهم : خواتها الاربع الاكبر منها سنا وازواجهن واطفالهن في بيت الاب . خال العائلة السيد عزت (الفنان سعيد بور صميمي ) يعارض هذا الزواج ويتمنى ان تكون نغار من نصيب قاسم (الفنان الشاب امير حسين ارمان) ابن اخت زوجته والذي يؤدي حاليا الخدمة العسكرية . يحاول الخال ان يحقق امنيته الا انه يرضخ في النهاية لراي الاغلبية .وفي وسط هذه الفوضى يمكن تلمس عدم وجود تصميم جاد وراسخ لدى بنسد ازاء قضية زواجها من خلال الصمت الذي تلوذ به بين وقت واخر. وفي صباح اليوم الذي تلا مأدبة العشاء التي اقامتها الاسرة على شرف الضيوف وفي مقدمتهم اقارب الخطيب الجديد الغائب ، ولدى تناول الخال لفطوره يختنق بسكر مكعبات ويموت وينقلب العرس الى مأتم .
قاسم ، يبدو انه لا يخفي اعجابه ببسند ، يأتي في اجازة مفاجئة الا انه يصطدم بخبر وفاة خاله والزواج المرتقب لبسند ، لذا وبعد ان يقوم باصلاح مسجل قديم لخاله يترك البيت دون ان يخبر احدا بذريعة ان اجازته انتهت. بسند وبعد وفاة الخال وعودة قاسم تزداد ترديدا ازاء قضية زواجها والذهاب الى امريكا ، لذلك نراها وهي على مائدة العشاء ترد على سؤال احدى شقيقاتها بالقول انها سترد على عائلة كيوان بعد مراسم اربعين الخال عزت. كان التيار الكهربائي قد انقطع عندما كان قاسم يقوم بتصليح مسجل خاله الذي يقوم بربطة بالكهرباء قبل ذهابه ، لذا وبعد منتصف الليل وعندما يعود التيار الكهربائي تنهض بسند لكي تطفيء المصابيح تسمع صوت غناء ويقودها الصوت الى غرفة الخال حيث تسمع عبر المذياع اغنية عنوانها "قولي اين انت".
"حبة سكر" ، فيلم "ايراني"
يتفق جميع النقاد على ان المخرج مير كريمي نجح في ان يجعل من فيلمه حبة سكر لوحة ملونة عن حياة الاسرة الايرانية التقليدية بأدق تفاصيلها بافراحها واتراحها ، بصالحها وطالحها ، بالامها وامالها ، بعاداتها وتقاليدها ، بمكان عيشها وطريقة تفكيرها ، بديكور منازلها ، بماكلها وملبسها ، بطريقة كلامها ، بخيرها وشرها ، فكان الفيلم مراة صادقة للحياة الايرانية بكل ماتحمل من معنى.
اشار بعض النقاد الى ان تناول مير كريمي امرا معقدا بمستوى بيان تفاصيل الحياة الايرانية بهذا الشكل السلس والممتع في فيلمه حبة سكر ، جاء ليؤكد وجود عبقرية لدى هذا المخرج قد تتفتق مستقبلا عن اعمال تخلد في ذاكرة السينما الايرانية . كما ان البعض ذهب الى وصف اسلوبه في الاخراج بانه من النوع السهل الممتنع ، وهو اسلوب لايقدر عليه الا من كان بمستوى المخرج مير كريمي.
فيلم حبة سكر جاء على النقيض من التيار الطاغي للافلام الجديدة التي تتمحور بمجملها حول شخصية البطل النجم ، فحبة سكر ورغم العدد الكبير من الفنانين الذين شاركوا فيه الا ان المشاهد لايشعر بوجود شخصية طاغية في الفيلم فالجميع يشاركون وبنفس المستوى في رسم الصورة الملونة للحياة الايرانية التي يطغى عليها النور والحبور والشوق للحياة.
توالي الاحداث بين "حبة سكر" و "انفصال نادر عن سيمين"
من بين كل النقاد الذين تناولوا وجود هذا الكم الهائل من التفاصيل في فيلم حبة سكر ، كان الناقد "مهرزاد دانش " صاحب الراي الاكثر قبولا في تبرير هذه التفاصيل .
هناك تفاصيل يزخر بها بها الفيلم مثل : حديث الاطفال عن وجود اشباح ، وطريقة كلام سميرا (الطفلة نيوشا غودرزي) المحببة واللطيفة ، وغناء حميد (الفنان هدايت هاشمي) في السرداب وهو يحفر بحثا عن كنز يعتقد انه موجود هناك ، وحديث الخال عزت المستمر عن ملاحمه في صيد الحيوانات المفترسة في شبابه.
هذه التفاصيل وظفها مير كريمي على حد قول دانش بشكل ذكي بطريقة تختلف عن تناول المخرج اصغر فرهادي في فيلمه "انفصال نادر عن سيمين" . ان توالي الاحداث لدى فرهادي بصورة عامة هو توالي العلة والمعلول ، اي ان الحدث الاول يتسبب في وقوع الحدث الثاني وهكذا ، لذلك تتولد الاحداث اللاحقة من بطن الاحداث السابقة. الا ان النموذج الذي اتبعه مير كريمي في حبة سكر يمكن التعبير عنه بالتبيني او التأويلي ، وهو ربط الاحداث بالشكل الذي يوضح بعضها بعضا دون وجود علة مباشرة ، الامر الذي يفسر كل هذه التفاصيل الموجودة في الفيلم.
فضول الاطفال وحديثهم عن وجود اشباح في البيت يدفعهم الى دخول السرداب ، حيث يوجد هناك حميد (الفنان هدايت هاشمي) وهو يحفر في ارض السرداب بحثا عن كنز وعندما تنتابه نوبة سعال يفزع الاطفال فيتبول علي( الطفل بارسا مشيري) من شدة الخوف ، فينقلونه الى غرفة الخال عزت الذي يقوم بمداعبته لتهدئته ، حيث يقوم بوضع سكر المكعبات بطريقة مضحكة في فمه ،وهي الطريقة التي ستكون سببا في موته في اليوم التالي.
اما التاكيد على الطريقة المحببة في الكلام للطفلة سميرا ، فيقوم المخرج في توظيف هذه النقطة بالذات في مشهد موت الخال وحمل جثمانه في حديقة المنزل ، وتظهر سميرا تلعب دون اي مبالاة بمايجري حولها ، ويقلل ظهورها المحبب من مرارة الموت.
اما مشهد حميد وهو يغني في السرداب وهو مشهد يعطى انطباعا انه اقحم في الفيلم اقحاما ولكن المخرج سيوظف هذا الصوت في قراءة مراسم العزاء برحيل الخال ، بعد ان يمتنع الشيخ ناصر (فرهاد اصلاني) عن اداء هذه المهمة لاعتلال صحته بسبب اصابته بالسرطان.
اما حديث الخال المتكرر عن صيده الوحوش الكاسرة في شبابه فيتبين انها كانت حقيقة بعد ان يخلعوا ثيابه بعد موته فيشاهدون اثار مخالب الوحوش على جسده.
هذه التفاصيل ، وهناك الكثير منها ، مع تواليها تؤكد الطريقة الذكية التي تعامل معها مير كريمي والتي تخرجها عن كونها تفاصيل مملة اقحمت في الفيلم اقحاما.
رمزية فيلم حبة سكر
منذ البداية يقيم المخرج حالة من السلام بين التراث والحداثة حيث يتعايش الموبايل واللب تاب و اس ام اس وتلفزيون ال سي دي والاقراص المدمجة لتعليم اللغة الانجليزية ، مع الحياة التقليدية والبيت القديم واللهجة اليزدية الاصيلة.
لولا الموت لما كان هناك معنى للحياة ، فقد نجح المخرج مير كريمي على دمج الحب والحياة والموت فهي عناصر لامعنى لاي منها دون الاخر ، لذا نرى ان عبارات التهاني والتبريكات تتحول في لحظة الى مواساة ، حتى المائدة التي كانت تعد لمراسم عقد الزواج حيث المراة والحلوى والشموع الملونة تضاف اليها ورقة اعلان وفاة الخال عزت ، وسكر المكعبات الذي كان عنوانا للحياة والفرح هو ايضا عنوانا للموت واِلحزن.
رغم ان الفيلم يبدا بالسكر والحلوى والفرح والسرور الا اننا نشعر في كل لحظة ان شيئا ما قد يحدث ويقلب المشهد راسا على عقب ، وهذه هي طبيعة الحياة.
الملفت الطريقة الذكية التي تناول بها المخرج ثنائية القريب والبعيد ، الغائب والحاضر ، فقد كان الغياب او عدم الحضور اكثر وقعا من الحضور ذاته ، فاكثر من كان يلقي بظلاله على احداث الفيلم هو الخال الراحل وقاسم ( قبل ان يأتي وبعد ان يذهب ) وكيوان خطيب بسند الذي لانراه ابدا، فهذه الشخصيات اكثر حضورا وتاثيرا في الاحداث من الحاضرين جميعا.
بسند تمثل الفتاة الشرقية بحيائها وخفرها ، فالبرغم من ان الجميع كان يقر بوجود حالة من الود غير المعلن بين بسند وقاسم الا ان الجميع وفي قدمتهم بسند وقاسم ، لم يجاهروا بها.
في الختام كان على بسند ان تصحو من نومها وان تتابع الصوت القادم من غرفة الخال عزت حيث المذياع الذي قام قاسم بتصليحه قبل ذهابه ، يبث اغنية للمنشد كورش سرهنغ زاده تقول كلماتها : "اليك .. نحو زقاقك .. ساتي فجرا .. ابحث عنك .. قل لى اين انت ..."
بقلم / مصطفى منيب
